في منطقة تشهد تغيرًا ديموغرافيًا سريعًا، يعيش كبار السن عمرًا أطول من أي وقت مضى. لكن العيش لفترة أطول لا يعني بالضرورة حياة أفضل.
تقرير جديد من منظمة الصحة العالمية، شارك في قيادته مدير شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للصحة العامة الاستاذة شيرين حسينوعضو أساسي الدكتور محمد اسماعيليكشف تقرير جديد عن واقع مقلق: ففي مختلف أنحاء إقليم شرق المتوسط، لا يتم تلبية الاحتياجات الصحية والاجتماعية لكبار السن، وفي كثير من الحالات، لا يتم حتى قياس هذه الاحتياجات.
عنوان فجوات الأدلة بشأن احتياجات الرعاية الصحية والاجتماعية غير الملباة في إقليم شرق المتوسط لمنظمة الصحة العالميةيقدم التقرير دعوةً للعمل وتأملاً واضحاً في واقعنا الراهن. فرغم تزايد بروز الشيخوخة السكانية في مناقشات السياسات، يظل كبار السن أنفسهم غائبين إلى حد كبير عن التخطيط والممارسات والبيانات.
العيش لفترة أطول، ولكن مع أي دعم؟
غالبًا ما يتمحور السرد التقليدي في المنطقة حول التضامن الأسري، أي فكرة أن كبار السن يتلقون الرعاية الطبيعية داخل بيوتهم. ورغم أن هذا يبقى صحيحًا جزئيًا، إلا أن الواقع يتغير بسرعة. فقد أدت الضغوط الاقتصادية والهجرة والصراعات وتغير الهياكل الاجتماعية إلى تآكل قدرة الأسر على توفير الرعاية دون مساعدة.
وفي الوقت نفسه، فإن أنظمة الدعم الرسمية، سواء في مجال الرعاية الصحية أو الاجتماعية، غير متجانسة أو تعاني من نقص التمويل أو غير موجودة في العديد من البلدان.
حيثما تتوفر البيانات، فإن الوضع مثير للقلق العميق:
- وفي بعض الدراسات، أكثر من 80% من كبار السن يبلغون عن عدم تلبية احتياجاتهم للرعاية الاجتماعية.
- إن الرعاية الاجتماعية، الضرورية للحفاظ على الاستقلال والكرامة، غالبا ما تكون غائبة تماما، مما يترك كبار السن دون دعم في الحياة اليومية.
- وتواجه النساء والأرامل واللاجئون وأولئك الذين يعانون من حالات صحية متعددة عوائق أكبر في الحصول على الرعاية.
لكن هذه الأرقام لا تُمثّل سوى غيض من فيض. ففي معظم أنحاء المنطقة، لا تتوفر بيانات كافية لتقدير حجم الاحتياجات. ولم تُقدّم سوى ثلاث دول، هي مصر ولبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة، أدلة إضافية على العمل الجاري في هذا المجال.
الصراع: المحرك الرئيسي للاحتياجات غير الملباة
تعد منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط موطنا لبعض أطول الصراعات في العالم، وتأثيرها على كبار السن عميق.
تُعطّل الحروب وعدم الاستقرار السياسي الأنظمة الصحية، وتُلحق الضرر بالبنية التحتية، وتُشرّد المجتمعات، وتُحوّل الموارد، التي غالبًا ما تُصرف عن الرعاية طويلة الأمد والوقاية، نحو الاستجابة للطوارئ. في ظل هذه الظروف، غالبًا ما يُهمّش كبار السن، وتُهمل احتياجاتهم من الرعاية في كلٍّ من المساعدات الإنسانية والتخطيط الوطني.
يواجه كبار السن في المناطق المتضررة من النزاع في كثير من الأحيان ما يلي:
- انقطاع الوصول إلى الأدوية والخدمات الصحية
- النزوح بدون مأوى أو رعاية مناسبة
- العزل الاجتماعي بسبب الانفصال العائلي أو الخسارة
- الخفاء في التقييمات الإنسانية واستراتيجيات الإغاثة
يُسلِّط التقرير الضوء على أنه في بيئات النزوح، مثل مخيمات اللاجئين، قد تتجاوز معدلات الاحتياجات الصحية غير المُلبَّاة لكبار السن 80%. ولا تعكس هذه الأرقام الاختلالات اللوجستية فحسب، بل تعكس أيضًا التمييز المتجذِّر على أساس السن في الاستجابة للأزمات.
علاوة على ذلك، حتى بعد توقف القتال، غالبًا ما تُخلّف آثار الصراعات الدولَ في حالة من التشتت في الخدمات، وإرهاق الأنظمة، وضعف الاستثمار في مجال الشيخوخة. وهذا يُسهم في إهمالٍ مزمن، لا سيما في المناطق الريفية والمحرومة.
وفي مثل هذه السياقات، لا تعد الشيخوخة عملية بيولوجية فحسب؛ بل هي أيضا تجربة سياسية تتشكل وفقا لما إذا كان الشخص يعيش في سلام أو أزمة.
إن الاحتياجات غير الملباة ليست حتمية، بل هي نتيجة ثغرات في السياسات
ما يوضحه التقرير هو أن هذه الإخفاقات ليست عرضية، بل تعكس خيارات سياساتية، أو غيابها. ففي جميع أنحاء المنطقة، لا تزال الأنظمة الصحية تركز على الرعاية الصحية الحادة في المستشفيات، بدلاً من الدعم المستمر والمتكامل الذي يحتاجه كبار السن في كثير من الأحيان.
لا تزال الرعاية الاجتماعية تُعامل كمسألة عائلية غير رسمية، وليست نظامًا يحتاج إلى استثمار وتنمية للقوى العاملة وبنية تحتية. وكثيرًا ما يُنظر إلى الشيخوخة نفسها من منظور طبي ضيق، بدلًا من كونها قضية اجتماعية وتنموية أوسع.
عندما يتم استبعاد كبار السن من المسوحات الوطنية، وإبعادهم عن خطط السياسات، وعدم دعمهم من قبل الخدمات العامة، فإن النتيجة هي أزمة هادئة.
قضية التغيير
هذا ليس مجرد تحدٍّ تقني، بل هو مسألة كرامة وإنصاف وعدالة. وهو أمرٌ يؤثر على الجميع - ليس فقط كبار السن أنفسهم، بل أيضًا عائلاتهم ومجتمعاتهم والأجيال القادمة.
ويحث تقرير منظمة الصحة العالمية البلدان على:
- بناء أنظمة بيانات وطنية قوية تشمل كبار السن
- توسيع ودمج خدمات الرعاية الصحية والاجتماعية لتلبية الاحتياجات طويلة الأمد
- الاعتراف بالرعاية الاجتماعية باعتبارها مسؤولية عامة، وليس مجرد عبء خاص
- إعطاء الأولوية للمساواة والجنسين والإدماج في جميع السياسات المتعلقة بالشيخوخة
إنها ليست أهدافاً مستحيلة، ولكنها تتطلب الإرادة السياسية والاستثمار وتغيير العقليات.
التزام مينارا: البحث والدعوة والعمل
في شبكة منارةلطالما دافعنا عن نهج إقليمي للشيخوخة يعكس الواقع المعيشي لكبار السن وأسرهم. ومن خلال البحث التعاوني، وبناء القدرات، والمشاركة في السياسات، نعمل على:
- جعل كبار السن مرئيين في البيانات والسياسات
- أنظمة دعم الرعاية التي هي شاملة ومستدامة ومبنية على الثقافة
- تحدي الافتراضات القديمة حول الشيخوخة ومن يتحمل مسؤولية الرعاية
- ارفع الأصوات من كبار السن في جميع أنحاء المنطقة
ويؤكد هذا التقرير الجديد لمنظمة الصحة العالمية ما كان مجتمعنا من العلماء والممارسين والمدافعين عن حقوق الإنسان يقوله منذ سنوات: كبار السن ليسوا قضية هامشية، بل هم محور مستقبل مجتمعاتنا.
حان وقت الاستماع. حان وقت العمل.
📘 اقرأ التقرير الكامل لمنظمة الصحة العالمية
🔗 تعرف على المزيد حول شبكة مينارا





