تفكيك الإكسبوسوم: كيف تؤثر بيئتنا على شيخوخة الدماغ حول العالم - وما يعنيه ذلك للشرق الأوسط

0
461

في ظلّ معاناة العالم من شيخوخة سكانية متسارعة، لا سيما في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، لم يكن فهم أسباب الشيخوخة الصحية أو غير الصحية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. تكشف الأبحاث العالمية الحديثة أن الشيخوخة لا تقتصر على علم الأحياء أو الوراثة فحسب، بل تتشكل أيضًا بشكل كبير بما نتعرض له طوال حياتنا: الهواء، والطعام، والتوتر، والعلاقات، والبيئات الاجتماعية والاقتصادية الأوسع. يُقدّم هذا المجال الناشئ، المعروف باسم "التعريضات"، منظورًا ثاقبًا لفهم كيفية تأثير هذه العوامل على صحة الدماغ والشيخوخة المعرفية. في دراسة جديدة رئيسية شملت 40 دولة، كانت مصر وجنوب إفريقيا الدولتين الأفريقيتين الوحيدتين المُمثّلتين، مما يُبرز الآفاق الواعدة والفجوات في كيفية مساهمة هذا العلم في الصحة العامة في جميع أنحاء أفريقيا والشرق الأوسط.

الشيخوخة عملية معقدة ومتغيرة باستمرار، تمامًا مثل الحياة البشرية نفسها. لفهمها فهمًا حقيقيًا، علينا تجاوز البحث عن سبب واحد، والنظر في العوامل المختلفة العديدة التي تؤثر على كيفية تقدمنا في السن. وهنا يأتي دور... التعرضات يأتي في.

ما هو الإكسبوسوم ولماذا هو مهم؟

علم التعريض هو دراسة كل ما يتعرض له الإنسان طوال حياته، مما قد يؤثر على صحته، بدءًا من الهواء الذي نتنفسه والطعام الذي نتناوله، وصولًا إلى نمط حياتنا، ومستويات التوتر، وحتى العمليات الداخلية كالالتهاب. جميع هذه العوامل، الخارجية والداخلية، تُعرف باسم التعرضيدرس علم التعرض كيفية تأثير هذه التأثيرات مجتمعة على صحتنا بمرور الوقت.

نظرًا لأن هذه التعرضات تختلف باختلاف العمر والموقع وأسلوب الحياة وتجارب الحياة، فمن الضروري دراسة الشيخوخة عبر فترة العمر بأكملها، وهو المفهوم المعروف باسم نهج دورة الحياةيساعد هذا في توفير فهم أكثر شمولاً لكيفية ولماذا نتقدم في السن بالطريقة التي نتقدم بها.

كان هذا النهج محوريًا لورقة بحثية حديثة نُشرت في طب الطبيعةقارنت الدراسة عوامل التعرض المرتبطة بالشيخوخة في 40 دولة. ركزت الدراسة على تحديد العوامل الداعمة للشيخوخة الصحية، لا سيما من منظور صحة الدماغ، مما يساعدنا على فهم أفضل للعوامل المحفزة لعملية شيخوخة الدماغ في مختلف البيئات والفئات السكانية.

ساعة الدماغ: قياس الشيخوخة المعرفية

من المُسلّم به الآن أن الوظائف الإدراكية قد تتراجع بشكل طبيعي مع التقدم في السن؛ إلا أن نسبة هذا التراجع قد تتفاوت. يُمكن تمثيل مرحلة الوظائف الإدراكية في الدماغ بساعة، ومن هنا جاء اسم "ساعة الدماغ". الفكرة هي أن ساعة الدماغ قد تكون أحيانًا أسرع من الوتيرة الطبيعية. إن فهم أسباب تسارع ساعة الدماغ، أو بمعنى آخر، ضعف الوظيفة الإدراكية مقارنةً بما هو متوقع في العمر، هو سؤال جوهري لفهم عوامل الخطر القابلة للتعديل لأمراض الدماغ والعوامل الوقائية التي تُعزز صحة الدماغ.

لسنوات عديدة، ساد اعتقادٌ واسع النطاق بأن للبيولوجيا دورًا رئيسيًا في تحديد الصحة والمرض. وقد شكّل هذا الفهم مناهجنا في الرعاية الصحية، التي تهدف إلى تحديد الجينات والهرمونات والمؤشرات الحيوية المُعرِّضة لأمراض مُحددة. وبينما تُعدّ بيولوجيتنا مُحددًا قويًا للحالة الصحية، بما في ذلك صحة الدماغ ونتائج الشيخوخة، إلا أنها ليست العامل الرئيسي. ومع تنامي معرفتنا، أدركنا أن التعرضات قد تؤثر أيضًا على حالتنا الصحية. ويضاف إلى ذلك تعقيدٌ جديدٌ يتمثل في ظهور استجابات الجسم الداخلية للتعرض الخارجي، والتي كانت تُسمى في الأصل تفاعل الجينات والبيئة، ولكن لاحقًا، نظرًا لظهور العديد من العوامل الجديدة، أُعيدت تسميتها بـ "التعرض". 

في الوقت الحاضر، يُمثل مصطلح "التعرض" مجموع حالات التعرض على مدار الحياة وتفاعلها مع استجابات الجسم الداخلية/ضعفه. ويتمثل التحدي الوحيد في تعريف "التعرضات" على أنها التعرض البيئي المادي، من حيث الملوثات، مثل المبيدات الحشرية أو المعادن الثقيلة، وهو الهدف الأول للعديد من الدراسات التي تتبع نموذج البحث التقليدي.

ومع ذلك، ومع ازدياد تداخل التخصصات في أبحاث الشيخوخة، بدأ تعريفنا للتعرض يتغير، مجددًا، مواكبًا الطبيعة المعقدة للحياة البشرية. وهكذا، اتسع نطاق مصطلح "التعرض" ليشمل أبعادًا أخرى. يُعدّ التعرض الاجتماعي دراسة شاملة للعوامل الاجتماعية وآثارها، ويلعب دورًا رئيسيًا في تشكيل الصحة بشكل عام، وسلامة الدماغ بشكل خاص. ويُعدّ التعرض الاقتصادي جانبًا آخر يُضاف إلى نموذج التعرض، لما له من تأثير على الإنصاف والمساواة وانعكاسهما على الصحة والرفاهية. أما التعرض النفسي، فهو عنصر آخر مرتبط بتطور الضغوط والصدمات النفسية التي تُشكل صحة الفرد.

ماذا تخبرنا الأبحاث العالمية عن شيخوخة الدماغ

أحد الدروس الرئيسية المستفادة الآن هو أن تعريف "التعرض" أو "البيئة" يتجاوز النظرة التقليدية للملوثات المادية ليشمل كل شيء وكل تجربة يتعرض لها الإنسان طوال حياته. وقد طُبق هذا النموذج المعقد للتعرض وعلاقته بصحة الدماغ في هذا العمل. كان التحدي، وسيظل دائمًا، هو وجود مجموعات بيانات متناسقة تتيح إمكانية المقارنة بين الفئات والسكان. وكان أحد نجاحات البحث الحالي هو القدرة على ربط الفئات المختلفة بمجموعات بيانات قابلة للمقارنة إلى حد أدنى. وقد ارتبطت البيانات التي جُمعت، والتي ركزت على أداء الدماغ من حيث أدوات الوظائف الإدراكية، بتعرضات خارجية متنوعة تتراوح من تلوث الهواء إلى الاضطرابات الاجتماعية وعدم المساواة وحتى المشاكل السياسية. 

أظهرت النتائج أن العوامل الاجتماعية يمكن أن تؤثر على صحة الدماغ، ولوحظ تسارع الساعة الدماغية (الذي يؤدي إلى ضعف الوظيفة الإدراكية مع التقدم في السن) بشكل أكثر شيوعًا لدى السكان الأفارقة مقارنةً بسكان أوروبا. ورغم أن هذه النتائج قد تكون متوقعة، إلا أن الدراسة كانت الأولى التي تقدم دليلًا علميًا على كيفية تأثير العوامل الخارجية المختلفة على تسريع عملية شيخوخة الدماغ، مما يؤدي إلى نتائج شيخوخة أقل صحة.

شيخوخة أفريقيا: ما تكشفه بيانات مصر

يُقدم إدراج مصر في هذه الدراسة الرائدة رؤيةً نادرةً وأساسيةً حول كيفية تأثير مادة الإكسبوزوم على شيخوخة الدماغ في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. تُقدم مصر، بمحيطها الاجتماعي والسياسي والبيئي الديناميكي والمعقد، دراسة حالة حيوية لفهم كيفية تفاعل عوامل مثل تلوث الهواء، وعدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية، والضغوط الاجتماعية، وتأثيرها على صحة الدماغ. تُثير النتائج التي تُشير إلى أن سكان أفريقيا أظهروا "ساعات دماغية" أسرع وتدهورًا إدراكيًا أكبر مقارنةً بنظرائهم الأوروبيين أسئلةً مُلحةً للمنطقة. تكتسب هذه الرؤى أهميةً خاصة في ظلّ مواجهة سكان الشرق الأوسط لتحولات ديموغرافية خاصة بهم، مع ارتفاع متوسط العمر المتوقع وتزايد أعداد كبار السن، ولكن غالبًا دون استثمارات موازية في أبحاث الشيخوخة الصحية والبنية التحتية للسياسات.

دور مينارا: بناء مستقبل أكثر صحة لكبار السن في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

تلعب شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لأبحاث الشيخوخة والصحة (MENARAH) دورًا محوريًا في تطوير هذا المجال من خلال ربط الباحثين وصانعي السياسات والممارسين في جميع أنحاء المنطقة لبناء قاعدة أدلة مشتركة حول الشيخوخة. في ظل ندرة البيانات المتعلقة بالشيخوخة وتشتتها في كثير من الأحيان، تكتسب مهمة MENARAH أهمية أكبر. فمن خلال تعزيز التعاون متعدد التخصصات والبحوث الخاصة بكل منطقة، يمكن لـ MENARAH المساعدة في سد فجوات المعرفة الحالية، مما يضمن أن تعكس أبحاث الإكسبوزومات المستقبلية تنوع منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشكل أكثر شمولًا. وهذا بدوره سيدعم في نهاية المطاف سياسات صحية أفضل، ويعزز المساواة في نتائج الشيخوخة، ويضمن تجارب شيخوخة أكثر كرامة لسكان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

+ المشاركات

معهد الصحة العالمية والبيئة البشرية، الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مصر

أنشأ الدكتور محمد سلامة أول وحدة لعلم الأعصاب الترجمي في مصر. أدت أبحاث محمد التعاونية إلى إنشاء الشبكة المصرية للاضطرابات العصبية التنكسية (إند). تم اختيار محمد كباحث أول في SOT Global في عام 2013 وحاصل على جائزة الترجمة/التجسير في عام 2016. وقد حصل على جائزة من مؤسسة باركنسون واضطرابات الحركة (PMDF) لأبحاثه المستمرة في مجال التنكس العصبي.

ومؤخراً، نجح محمد وزملاؤه في صياغة النسخة الأولى مرجع الجينوم المصري والتعاون مع زملاء آخرين لبدء مجموعة وطنية (دراسة طولية للشيخوخة الصحية المصرية [الصحة]). حاليًا، يشغل محمد منصب زميل أول في أتلانتيك للمساواة في صحة الدماغ في المعهد العالمي لصحة الدماغ (GBHI) وأستاذ مشارك في معهد الصحة العالمية والبيئة البشرية في الجامعة الأمريكية بالقاهرة (AUC).