وباء الوحدة والتواصل الاجتماعي: رؤى من الدكتورة شيرين حسين في بودكاست Unlocked
غالباً ما يُنظر إلى الشعور بالوحدة على أنه شعور شخصي، يتعامل معه الناس بهدوء وعزلة. لكن كما أوضحت لي محادثتي مع البروفيسورة شيرين حسين، فإن الشعور بالوحدة ليس مجرد شعور شخصي، بل هو مشكلة صحية عامة عالمية متنامية بسرعة، تؤثر على صحتنا الجسدية والنفسية في جميع مراحل حياتنا.
الدكتورة حسين أستاذة في سياسات وأبحاث الرعاية الصحية والاجتماعية في كلية لندن للصحة والطب الاستوائي. كما أنها عضو في المجموعة الاستشارية الفنية لـ لجنة الاتصال الاجتماعي التابعة لمنظمة الصحة العالمية, مبادرة عالمية تجمع خبراء من جميع أنحاء العالم لفهم تأثير الشعور بالوحدة وتقديم المشورة للحكومات بشأن ما يجب تغييره.
خلال حديثي معها في بودكاست Unlocked، انبهرتُ ليس فقط بعمق البحث في هذا المجال، بل أيضاً بمدى إنسانية هذه القضية. فالوحدة لا تتعلق فقط بعدد الأشخاص المحيطين بنا، بل تتعلق بالانتماء والهوية وجودة علاقاتنا.
استمع إلى البودكاست هنا.
ما معنى الوحدة حقاً
أوضح الدكتور حسين أن الشعور بالوحدة والعزلة الاجتماعية أمران مختلفان. فالعزلة الاجتماعية تعني قلة التفاعلات الاجتماعية، بينما الشعور بالوحدة هو شعور ذاتي بالانفصال، حتى مع رؤية الناس يومياً.
قد يبدو المرء محاطاً بالناس، أو نشيطاً، أو مشغولاً، ولكنه مع ذلك يشعر بالوحدة التامة. المهم هو جودة التواصل. هل نستطيع أن نكون صادقين مع الآخرين؟ هل نشعر بالترحيب؟ هل لدينا من نثق به؟.
تُظهر نتائج منظمة الصحة العالمية أن واحدًا من كل ستة أشخاص حول العالم يُعرّف نفسه بأنه يشعر بالوحدة. وهذا أمرٌ بالغ الأهمية ليس فقط من الناحية العاطفية، بل أيضًا من الناحية الصحية. فالوحدة تترافق مع مجموعة من المشاكل الصحية السلبية، بما في ذلك الاكتئاب والقلق وتدهور الصحة البدنية. بعبارة أخرى، التواصل الاجتماعي ليس ترفًا، بل هو عاملٌ أساسي في الصحة.
لماذا تتأثر بعض الفئات أكثر من غيرها؟
تُعدّ التحولات من أهمّ أسباب الشعور بالوحدة. وقد أظهرت أبحاث الدكتور حسين ما يلي:
- يواجه الشباب الذين ينتقلون من المدرسة إلى العمل أحد أعلى المخاطر.
- غالباً ما يواجه كبار السن صعوبات بعد التقاعد عندما تتلاشى الهياكل الاجتماعية اليومية.
- كما أن المهاجرين معرضون للخطر لأن الانتقال بين البلدان يعطل الشبكات والهوية المجتمعية والانتماء.
كما أكدت أن الشعور بالوحدة لا يؤثر على الجميع بالتساوي. فالحواجز القائمة على الهوية والتمييز والتنقل والدخل والإعاقة قد تجعل التواصل الاجتماعي أكثر صعوبة. وحتى مع وجود الأنشطة، لا يشعر الجميع بالترحيب.
في المجتمعات التي تتمتع بحياة اجتماعية قوية، غالباً ما يكون لدى الناس فرص أكبر للتواصل بشكل طبيعي. أما في البيئات الفردية للغاية، فقد يكون الناس قريبين جسدياً لكنهم متباعدون اجتماعياً.
التكنولوجيا نافعة وضارة
يظن الكثيرون أن وسائل التواصل الاجتماعي قد زادت من ترابطنا. لكن الدكتور حسين أوضح أن العكس هو الصحيح في كثير من الأحيان. فالتكنولوجيا تخلق التواصل، لكنها لا تخلق بالضرورة اتصالاً حقيقياً. إن رؤية مقتطفات منتقاة من حياة الآخرين قد تزيد من حدة المقارنة والشعور بعدم الكفاءة.
في الوقت نفسه، يمكن أن تكون التكنولوجيا مفيدة عند استخدامها بوعي. فخلال الجائحة، ساعدت الناس على البقاء على اتصال، وفي دول مثل إيطاليا، استُخدمت لربط كبار السن بأطفال المدارس من أجل التعلم والدعم المتبادل.
الرسالة الأساسية هي أن الأدوات الرقمية يمكن أن تُكمّل العلاقات، لكنها لا تستطيع أن تحل محلها. ما زلنا بحاجة إلى مجتمعات حقيقية وتواصل إنساني حقيقي.
ما يمكن للمجتمعات والحكومات القيام به
وصف الدكتور حسين مجموعة من المبادرات من مختلف البلدان التي تساعد على تعزيز التواصل:
- المراكز المجتمعية التي تستضيف أنشطة بين الأجيال
- تصميم حضري يجمع بين الملاعب ومناطق الجلوس والمساحات المخصصة للبالغين
- مساكن يسهل الوصول إليها تدعم كبار السن دون عزلهم
- برامج التطوع التي يتبادل فيها الناس الوقت والدعم
- مجموعات محلية تتمحور حول الحرف اليدوية، أو البستنة، أو التمارين الرياضية، أو الموسيقى
- استراتيجيات وطنية لمكافحة الوحدة في دول مثل اليابان والدنمارك والمملكة المتحدة
تُدرك المناهج الناجحة أن الناس يحتاجون إلى نقاط اتصال متعددة، لا إلى مسار واحد. ومن الطبيعي أن يكون لديهم مجتمعات مختلفة تناسب مراحل حياتهم المختلفة.
ما يمكن للأفراد فعله
كثيرًا ما يسأل المستمعون عن كيفية التغلب على الشعور بالوحدة في تلك اللحظة. وقدّم الدكتور حسين نصائح عملية وإنسانية:
- ابدأ بخطوات صغيرة. انضم إلى نشاط واحد يتناسب مع شيء تستمتع به.
- ضع توقعات واقعية. التواصل يستغرق وقتاً وقد لا يحدث على الفور.
- حاول مرة أخرى، حتى لو كانت المحاولة الأولى محبطة.
- استكشف الأماكن المحلية مثل المكتبات والحدائق ومسارات المشي والنوادي المجتمعية.
- استخدم وسائل التواصل الاجتماعي كخطوة أولى، ولكن حاول نقل التفاعلات إلى الحياة الواقعية كلما أمكن ذلك.
- فكّر في التطوع، خاصة خلال العطلات أو فترات ازدحام المجتمع.
وكما قالت، قد يبدو الانعزال الاجتماعي أسهل، لكن له عواقب وخيمة على المدى الطويل. حتى التفاعل الإيجابي القصير يمكن أن يبدأ في إعادة بناء الثقة.
التأملات النهائية
دفعتني هذه المحادثة إلى التفكير ملياً في مدى حاجتنا جميعاً لبعضنا البعض. فالتواصل لا يتعلق بالكمال أو بإيجاد شخص يطابقنا في كل جوانب شخصياتنا، بل يتعلق ببناء روابط صغيرة ذات مغزى تدعم رفاهيتنا بشكل جماعي.
الوحدة مشكلة عالمية، لكن الحلول تبدأ محلياً بالتعاطف والإنصات وإفساح المجال للآخرين. سواء من خلال السياسات أو العمل المجتمعي أو التواصل الشخصي، يقع على عاتقنا جميعاً دور في خلق بيئات يشعر فيها الناس بالانتماء.
نتقدم بالشكر للأستاذة شيرين حسين لمشاركتها رؤيتها وخبرتها في هذه الحلقة من برنامج Unlocked. يمكنكم معرفة المزيد عن جهود منظمة الصحة العالمية في مجال التواصل الاجتماعي عبر الرابط أدناه.
لجنة الاتصال الاجتماعي التابعة لمنظمة الصحة العالمية تقرير.

جوليا مايرون
جوليا مايرون محامية دولية في مجال حقوق الإنسان وممارسة العدالة الانتقالية. تتمثل مهمتها في إنهاء الإفلات من العقاب وتعزيز وتطوير الأنظمة القانونية في المجتمعات النامية، ومجتمعات ما بعد النزاعات، والمجتمعات التي تمر بمرحلة انتقالية. كما أنها تعشق الكتب، وجميع أشكال الفنون، والمحادثات الهادفة التي تُثري وجهات نظرها وتُثريها.





